أنت هنا

كلمة الأستاذ راشد الغنوشي في الندوة السياسية لشباب حركة النهضة بمناسبة الذكرى 65 للاستقلال

24 مارس 2021 10:24

درس الحركة الوطنية: الاستقلال مثل الإيمان يزيد وينقص بقدر تحرّرنا وكدحنا في سبيل تعزيزه.

أهنّئ منتدى شباب حركة النهضة واهتمامه بتاريخ الحركة الوطنية سبيلا إلى الاعتبار. كما نترحم على شهداء الحركة الوطنية منذ فرحات حشاد وما قبل حشاد وما بعده. منذ الدغباجي الذي استشهد على يد الجيش الفرنسي في القرن 19 وسلسلة من الشهداء ومن المجاهدين الذين رفعوا عن تونس هذا الكابوس وهذا الضيم وجعلوا من الاستقلال أمرا واقعا. ما كان ذلك ليحدث لولا توفر جملة من الشروط جعلت الاستقلال ممكنا.

يتساءل البعض اليوم عن الاستقلال، هل تمّ أم لم يتم؟ بالتأكيد تونس دولة مستقلة، غير أنّ الاستقلال مثل الإيمان، يزيد وينقص. وكذلك الاستقلال، يزيد بقدر ما نتحرّر ونبني اقتصادا مستقرا وقويّا، وبقدر ما نؤكد هويتنا التونسية العربية الإسلامية، وبقدر ما يكون قرارنا مستقلا. وذلك ما يجعلنا نكدح في طريق الاستقلال حتى نعزّزه باستمرار.

فتونس دولة مستقلة، ولكن ينبغي أن نناضل ونجاهد من أجل أن نعطي لاستقلالها مضمونا ثقافيا واقتصاديا وسياسيا، أمّا بالنسبة إلى الاستقلال المطلق، فلا توجد دولة مستقلة في المطلق في العالم، لأنّ كل الدول يحتاج بعضها بعضا. وهناك باستمرار يد عليا ويد سفلى. ونحن نريد لبلادنا ولدولتنا أن تكون اليد العليا وليست اليد السفلى.

الاحتلال لم يأت صدفة، وإنّما أتى بتغيّر موازين القوى بين الغرب والشرق، بين جنوب المتوسط وشماله. فالغرب لأسباب كثيرة علمية واقتصادية ولتحوّلات دولية. فبقدر ما قوي الجانب المقابل، ضعف جانبنا، فتفشى الفساد في نظام البايات، وفسدت الإدارة فسادا عظيما. ولذلك لم يكن عجبا أنّ سنة 1964، أي قبل 20 سنة من استعمار تونس، شهدت البلاد أعظم ثورة في تاريخها، ثورة علي بن غذاهم. وكانت ثورة ضدّ فساد البايات وفساد الإدارة وضدّ الهيمنة الأجنبية، فقد كانت هناك بداية هيمنة أجنبية لأنّ فرنسا، قبل استعمار تونس رسميا، تسرّبت إلى اقتصادنا كما تسربت دول أخرى مثل إيطاليا لوضع يدها على الاقتصاد التونسي بتواطؤ من البايات.

كما وقع الاحتلال بعد أن أجهضت الحركة الإصلاحية التي قادها عدد من الإداريين مثل خير الدين والجنرال حسين الذين كانوا يشعرون بأنّ موازين القوى تغيرت لصالح الغرب، وأنّ علينا أن نصلح أحوالنا وأن نطور اقتصادنا وتعليمنا ونصلح أوضاع النساء.

ولذلك نشأت في القرن التاسع عشر عدة حركات إصلاحية جمعت بين خريجي المعاهد الحديثة كالصادقية وبين خريجي جامع الزيتونة. وهذا درس مهمّ مضمونه أنّ أيّ تغيير حقيقي يحتاج إلى رأي عام ووحدة وطنية ويحتاج إلى جماعة تنهض به وتقوده. ولذلك كانت هناك حركة إصلاحية، ربّما لو نجحت لجنّبت تونس الاستعمار.

ولذلك كان هناك رهان وعملية تحديث يقودها جامع الزيتونة وتقودها المدارس الحديثة، كالصادقية، ويقودها الوزير الأول خير الدين، ولكن كان هناك رهان أجنبي ورهان من الباي على إفشال هذه الحركة التي أنتجت الدعوة إلى سنّ دستور تونسي ومنع الرق وإنشاء برلمان.

وهذه أحداث يعتزّ بها التونسيون، باعتبارها أحداث مبكرة في العالم الإسلامي، لأنّ تونس كانت باستمرار تقود الطريق وتشير إلى المستقبل، وأعطت إشارة واضحة إلى أنّ حياة المسلمين الذين وصفهم الله بأنّهم "خير أمّة أخرجت للناس"، ليسوا كذلك في ذلك الوقت، وأنّه ينبغي أن نطوّر حياتنا وينبغي أن لا نتردّد في الاستفادة من كل حضارة، ومن كل دين، ومن كلّ مذهب، فكل ما هو نافع لنا ينبغي أن نقتبسه، بلغة خير الدين التونسي.

وكتاب "أقوم المسالك في أحوال الممالك" لخير الدين التونسي، كان وثيقة مهمّة جدّا، وكان معلم طريق للعالم الإسلامي. وقد أوشكت تونس، يومئذ، أن تنجو من الاستعمار بفكرة الإصلاح ومشاريعه، لولا فساد الحاكم وتغيّر موازين القوّة.

كانت فكرة البرلمان وفكرة الدستور، جذر الحركة الوطنية. ففكرة أن يكون الحاكم خاضعا للقانون، باعتبار الحكام في ذلك الوقت وفي كل الدكتاتوريات يحكمون حكما مطلقا، بيّنت أنّ المصلحين وضعوا أيديهم على الداء الذي هو الحكم المطلق، وعدم خضوع الدولة والحاكم للقانون. فلا عجب إذن بعد أن وقع الاحتلال، أنّ إحياء تراث الإصلاح كانت فيه فكرة أصليّة هي فكرة الدستور. ففي بداية القرن العشرين كانت هناك حركة شباب تونسي جمعت بين الزيتونيين مثل عبد العزيز الثعالبي من جهة وبين محمد علي باش حانبة وشقيقة علي باش حانبة. فالتونسيون أحيوا شيئا موجودا في تاريخهم، هي فكرة الدستور التي أجهضها الاستعمار، ولكنّ الحركة الإصلاحية بعد الاستعمار أحيت فكرة الدستور. ولذلك لا عجب أنّ أوّل حزب نشأ في تونس حمل اسم "الدستور"، وهو الحزب الحر الدستوري التونسي بقيادة الزعيم عبد العزيز الثعالبي. وقد كانت حركة شباب.

كما نشأت في العشرينات الحركة النقابية بزعامة محمد علي الحامي، وهذا بعد آخر في الحركة الوطنية، بُعدٌ الأول وهو بُعد الحرية، وتجسدها فكرة البرلمان التونسي. فالذين خرجوا في أفريل 1938 تحت الرصاص كانوا يطالبون ببرلمان تونسي، وللأسف اليوم هناك من يطالب بحل البرلمان التونسي، ولكن لا سبيل إلى حلّ البرلمان إلاّ في حالة وحيدة وهي فشله في تزكية الحكومة، هذه هي الصورة الوحيدة والباقي دكتاتورية.

ولذلك، هذا الشعب الذي بذل الدم من أجل برلمان تونسي مجسدا لفكرة الحرية، لن يتحكم فيه اليوم، بعد أن أصبح عنده برلمان منتخب، زيد أو عمرو.

إنّ فكرة الدستور وفكرة البرلمان وفكرة الحرية، هي أصيلة في مشروع الاستقلال والدولة التونسية وفغي الثقافة السياسية التونسية.

الفكرة الأخرى في الثقافة السياسية التي قادت إلى الاستقلال، هي فكرة التنمية والعدالة والمساواة، ولذلك ولدت في العشرينات من القرن الماضي مؤسستان، الحزب الحر الدستوري التونسي بقيادة الثعالبي بمشروع أساسي وهو بعث المشروع الإصلاحي للقرن التاسع عشر، برلمان تونسي ودستور للحد من تغول الحكام.

والفكرة الثانية هي جامعة عموم العملة التونسيين بقيادة محمد علي الحامي ومع الطاهر الحداد وهي الفكرة الاجتماعية. فمشروع الحركة الوطنية، هو مشروع حرية ومشروع تنمية وعدالة. وقد يمكن أن تكون النقابة التي أسسها محمد علي فرعا من النقابة الفرنسية CGT الاشتراكية. ولكن لأنّ فكرة الاستقلال في الحركة الوطنية لم يكن فيها مجرد برلمان فقط، أو نقابة، وإنّما كان فيها استقلال. ولذلك رفض محمد علي أن ينضوي تحت المنظمة النقابية الاشتراكية الفرنسية، وأصرّ على تأسيس منظمة نقابية وطنية تونسية.

ولذلك نستطيع أن نقول باختصار، إنّ الحركة الوطنية التونسية قامت على فكرة العدالة وفكرة الحرية، يمكن تسميتها "ديمقراطية اجتماعية" هذا جوهر المشروع التونسي، إضافة إلى فكرة الهوية. فعندما نتابع خطب محمد علي الحامي نجد أنّه كان كثير الاستشهاد بالقرآن الكريم لأنّه القناة التي تجعل الأفكار تدخل قلب المسلم، فكان يستشهد بالقرآن وهو في المتلوي لإقناع التونسيين بهويتهم المستقلة ليفخروا بهويتهم وانتمائهم العربي والإسلامي والتونسية.

كان هذا المثلث هو الأساس في مشروع الاستقلال، وتمكن رجال الحركة الوطنية بقيادة الثعالبي وبقيادة الحبيب بورقيبة وصالح بن يوسف وفرحات حشاد... تمكنوا من جمع التونسيين حول هذا المثلث القيمي (الحرية والعدالة الاجتماعية والهوية التونسية بأساسيها العربية والإسلام).

وقد قامت دولة الاستقلال لتجسّد هذه المعاني، فكان لها حظ غير قليل من التوفيق وكان لها حظ غير قليل من الإخفاق ككل حركة بشرية. ونحن عندما نحكم الآن على التاريخ ينبغي أن نضع أنفسنا في السياق الذي تمت فيه الأحداث.

ففكرة الديمقراطية لم تحققها دولة الاستقلال، وكان ذلك سببا أساسيا من أسباب الثورة. وفكرة العدالة الاجتماعية لم تتحقق بالقدر الكافي، وكان ذلك سببا من أسباب الثورة. فالثورة التونسية هي محاولة لاستدراك ما فاد دولة الاستقلال تحقيقه، فالثورة ليست قطيعة، هي استدراك لما لم يتحقق.

لقد حققت دولة الاستقلال من المشروع الاجتماعي أمرا عظيما، بنشر التعليم ونشر الصحة، وهي مكاسب مهمّة. ويضاف إلى ذلك تمصير الأمصار، أي نقل جزء كبير من المجتمع التونسي من حالة البداوة والريف المتنقل إلى حالة الاستقرار لأنّه لا إنتاج حضارة دون استقرار. ولذلك نستطيع أن نقول بشكل واضح إنّ دولة الاستقلال كان لها إنجازات نفتخر بها ونعتز بها ونحافظ عليها، وكانت لها إخفاقات أزّمت الأوضاع وجعلت من تاريخ الاستقلال تاريخ محاكمات من وجهة سلبية، فمن داخل الحزب حوكم اليوسفيون والمنتمون إلى الحزب الدستوري القديم، وحوكم اليساريون والنقابيون، ولما جاء دور الإسلاميين نالوا اكثر من غيرهم.

حالت دولة الاستقلال أن تتطور نحو الديمقراطية، فسنة 1981 عندما تأزمت الأوضاع، كانت هناك محاولة للانفتاح، فأعلن الرئيس بورقيبة، رحمه الله، أنّه لا يمانع من تكوين جمعيات سياسية. ولكن مجرد أن اختبر الإسلاميون هذا الإعلان فقدموا مطلبا، فكان الجواب سلسلة من المحاكمات بدأت في 1981 ولم تنته إلاّ بقيام الثورة. ولو اعترف بالإسلاميين سنة 1981 وبأحزاب أخرى، عندما كانت تونس مؤهلة أن تكون دولة ديمقراطية، ربّما ما كنّا محتاجين أن نذهب في طريق الثورة، ولذهبنا في طريق الإصلاح. ذلك أنّ الثورة هي علاج بالجراحة ما كنا محتاجين له، لو أنّ بورقيبة ومن معه كانوا صادقين في اعترافهم بالتعددية. ما كنّا محتاجين لانتفاضة 1978 لو كان هناك مشروع تنموي متوازن بين المناطق الساحلية والمناطق الداخلية. ولهذا قامت الثورة من مناطق العمق التونسي كما حصل في ثورة 1964، ثورة الأعماق على المدن، ما كنّا محتاجين لثورة 1978 و1984، لو كنّا أوفياء لمشروع حشاد ومشروع محمد علي، لمشروع العدالة الاجتماعية. وما كنّا محتاجين لنوع من الازدواجية الثقافية التي نعيشها اليوم، لو أن مشروع التعريب أخذ حظه بالكامل.

مطلوب اليوم أن نستدرك ما فات وأن نؤكّد دور الشباب، لأنّ الحركة الوطنية هي عمل شبابي اجتمع فيه شباب التعليم الزيتوني والتعليم الحديث. وكل تغيير يحتاج إلى عُصبة، إلى جماعة، وإلى صفّ واحد.

ونحن اليوم، إذ نعيش مرحلة من مراحل الانتقال الديمقراطي نحتاج إلى الحوار وإلى رأي عام موحد وإلى مشروع وطني يجمع بين كل الاتجاهات حتى نتكلم بلغة مشتركة وتكون لها أهداف مشتركة تجمع صفّنا بديلا عمّا هو واقع اليوم، وهو عملية تجذير القطيعة بين كل التيارات والاصطفاف والتجاذبات الشديدة والخطاب الذي يوحي بأنّنا نتجّه إلى حرب، وقد وصل الحد أنّ السلطة نفسها لم تبق موحّدة.

نحن دول تونسية ينبغي أن تكون لنا فيها أهداف مشتركة. ودرس الاستقلال أنّه إذا أردنا لتونس أن يكون لها مستقبل كما لها ماض، ينبغي أن نبحث عمّا يجمع لا عمّا هو يفرّق.

وفي عملية الحساب تعلمنا، ونحن أطفال، أنّ هناك أربع عملية، الجمع والطرح والضرب والقسمة. وكثير من السياسيين اليوم يستخدمون ثلاث عمليات، ويتركون الرابعة. يستخدمون الضرب، ضرب هذا بذاك، وعملية القسمة، "نحن وهم"، وعملية الطرح: هذا غير وطني وهذا غير مخلص وهذا غير مدني وهذا إرهابي.

لكنّ العملية الأفضل في السياسة هي الجمع، كيف نجمع الناس. وفي القرآن "هو الذي ألف بين قلوبهم، لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم، ولكنّ الله ألف بينهم". كيف نجمع الناس، كيف نضع أهدافا مشتركة.. ينبغي أن يكون مثال الباخرة هو المثال المسيطر، أنّ تونس باخرة تحمل جميع أبناء تونس وبناتها، ونبحث داخل هذه الباخرة عن معادلة التعايش، عن المواطنة بأهداف مشتركة وعدوّ مشترك.

صحيح أنّ ما يفرّقنا كثير، ولكنّ ما يجمعنا أكثر. وهذا في تقديري درس الحركة الوطنية.