أنت هنا

كلمة الأستاذ راشد الغنوشي في مسيرة الثبات والدفاع عن المؤسسات

3 مارس 2021 10:44

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين. أيتها المواطنات والمواطنين

نفتتح هذا اللقاء الجماهيري في هذا الشارع الكبير، الشارع العظيم. من يرى منكم نهاية الناس في الشارع فليبلغني، أنا لا أرى النهاية.

هذا الشعب لا نهاية لأعماله لا نهاية لمعجزاته لا نهاية لبطولاته وإبداعاته.

هذا شعب الثورة، الثورة تقول ها نحن هنا الثورة لم تغب عن تونس. الثورة حية ترزق خدّامة لم ترقد. ولذلك نحن نشكر هذه الجموع الغفيرة التي قدمت من كل فج عميق من أقصى تونس الحبيبة، من كل المدن ومن كل القرى كلهم جاؤوا ليقولوا نحن هنا نحن الثورة نحن الديمقراطية نحن الوحدة الوطنية.

الشعب يريد الحوار الشعب، الشعب يريد الحوار الشعب، يريد المحبة بين التونسيين. الشعب يريد التعاون بين التونسيين. الشعب لا يحبّ الفوضوية ولا يحبّ الشعبوية، وإنما يحب الديمقراطية.

وقبل أن نمضي في هذا اللقاء، نريد أن نحيي شهداء الأمن الرئاسي وصورهم أمامنا هنا، هم الذين فدوا تونس في مواجهة الإرهاب نحيي الأمن الرئاسي ونلقي التحية على أبنائهم وآبائهم وأمّهاتهم وقد كانوا يحرسوننا. كانوا معنا نترحم عليهم. ونترحم على شهداء الجيش وشهداء الأمن، وشهداء الحركة الوطنية وشهداء كل الحركات المناضلة.

هذه المسيرة العظيمة ستكون تاريخا، تضيف تاريخا آخر إلى مسيرات الثورة العظيمة. نحن امتداد لتلك المسيرات التي أطاحت بالطغيان والجبروت وحررت الشعب التونسي من الظلم، وأقرّت البرلمان، وأقرّت الدستور، وأقرّت حرية التعبير وحقوق الإنسان.

نترحم على شهداء الثورة ونرجو أن ينتصر الثوّار وأن تنتصر الثورة. ولذلك نحن التقينا هنا لا من أجل حزب من الأحزاب، ولا من أجل فئة من الفئات، هذا الشارع هو شارع تونسي، وعندنا شارع واحد وليس 20 شارعا.

لا يوجد عندنا شارع بيروت الغربية وبيروت الشرقية. عندنا الشارع التونسي وعندنا دولة تونسية واحدة ودستور واحد وقانون واحد والقلوب كلها تخفق بحبّ تونس العزيزة.

هنا شارع محمد الخامس، وهناك شارع فيه مجموعة من حزب العمال الذي يترأسه أخونا حمة الهمامي. كنّا نتمنّى أن يلتحق بنا ونحن مستعدّون أن نمنحه الكلمة ليخاطب الجماهير. ونحن نذكره أنّه في أكتوبر 2005 كنا نتحاور معا ديمقراطيين وإسلاميين وشيوعيين وقوميين، ما الذي يفرق بيننا، فتونس واحدة. ولذلك لا بد أن تعود الوحدة الوطنية والحوار الوطني، ونكفّ عن الإقصاء والافتراء هذا شعب واحد. لا يوجد شعب موحد في العالم العربي مثل هذا الشعب، ولذلك أقول لا تقسّمونا.

لقد تعلمنا منذ مرحلة الابتدائي أنّ في الحساب هناك العمليات الأربع، الضرب والقسمة والطرح والجمع، ونحن محتاجون لعملية واحدة في السياسة هي عملية الجمع، وأمّا الضرب فهو ضرب هذا بذاك، وأمّا الطرح فهو الإقصاء، وأمّا القسمة فلا تصلح، فلا تقسّمونا.

الشعب يريد الحرية كاملة غير ناقصة والديمقراطية والبرلمان الشعب يريد الرئاسة الشعب يريد الحكومة نحن نريد التعاون بين كل مؤسسات الدولة لأنّها دولة واحدة. الشعب يريد التشغيل والعدالة الاجتماعية، الشعب يريد العدالة الانتقالية، ولذلك جئنا اليوم لنقول إنّ الثورة مستمرّة شغالة وفعّالة وأنّها محافظون على الدستور وأنّها مستعدون أن نفدي تونس والثورة والديمقراطية وحقوق من يخاصمنا. والذين يخاصموننا نبعث إليهم بباقة ورد نحن ننادي إلى حوار وطني، فهو ما ينقص تونس اليوم، ومشاكلنا كلها لا تحلّ إلاّ بالحوار، ولا تحلّ بالقمع، وقد جرّب المخلوع أسلوب القمع ولم يفلح، غفر الله له، على كلّ حال، ليست لنا أحقاد على أحد، وإنّما نريد أن يكون التونسيون إخوة، وقد قال ربّنا: "يا أيها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم". ولذلك هذه الجموع جاءت من كل فج عميق لتتعارف للنضال من أجل تونس ومن أجل الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان، ومحبة كلّ التونسيين. نحن مشروع محبّة.

هذه البلاد مرهقة بالكراهية، تونسيون يشحنون بعضهم ضد بعض بالحقد. لكنّ الحقد يحرق أصحابه ويحرق كلّ شيء، ولذلك الحقد نار وشيطان، أحبّوا التونسيين، وليحبّ بعضكم بعضا لأنّ ذلك هو الطريق الذي يبني الحضارة، وتونس فيها حضارات متراكمة منذ آلاف السنين، كلّها بُنيت بالمحبّة وبنيت بالتعاون وبالأخوة وليس بالحقد والكراهية.

نحن رسالة محبّة إلى كل التونسيين. فبلادنا تركها جدودنا على دين واحد ومذهب واحد، لماذا نفرق بين التونسيين. هذه البلاد تتسع لجميع التونسيين، باخرة تستطيع حمل جميع التونسيين. ولكن ما يجري الآن، هو أنّ البعض يتصيّد أن يغفو الآخر فيقذف به في اليم. هذا لا ينفع التونسيين، وما ينفعهم هو: إنّما المؤمنون إخوة.

التونسيون مختلفون، إسلاميين وعلمانيين وشيوعيّين وقوميين، هؤلاء كلهم لهم مكان في الباخرة، نحن اعترفنا بهم، وهم ما زالوا. ما زال هناك في تونس من يفكّر تونس دون الحزب الفلاني أو الحزب الفلاني، ونحن نقول تونس للجميع، كلهم لهم مكان، حتى نصل شاطئ السلامة.

ولذلك ننادي من هذا الشارع العظيم وسط عشرات الآلاف، ربّنا لا تجعل بيننا شقيّا ولا محروما، واجعلنا جميعا وطنيّين أحرارا، ولسنا غدّارين ولا فرّارين. ننادي كلّ الأحزاب إلى الحوار، الأستاذ المغزاوي والأستاذ غازي الشواشي، وننادي الأستاذ الشابي وننادي الدكتور بن جعفر، وننادي حمة الهمامي وننادي كل القوى السياسية إلى التحاور، وأن تترك جانبا الإقصاء فهو مدمرّ ولا يفيد.

قال الله تعالى على لسان النبيّ شعيب: "إنْ أريد إلاّ الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلاّ بالله، عليه توكلت وإليه أُنيب". نحن نريد الإصلاح. أمّا شحن القلوب بالحقد فلا يفيد، وتونس إمّا أن نسعد فيها جميعا أو نشقى فيها جميعا. والذي يسعدنا هو المحبّة والتعاون والديمقراطية. انزعوا الأحقاد من القلوب واملؤوا القلوب بالمحبة والتعاون وحبّ الخير للجميع. لا تتمنوا الشرّ لأحد.

بلادنا تحتاج الإصلاح لأنّ هناك عدة أشياء فاسدة، في بلادنا عاطلون عن العمل ومن لا يجد الدواء ومن ليست لهم مساكن. وفي بلادنا أناس مظلومون في مناطق وجهات مظلومة.. هذه كلّها تحتاج لإصلاح.

من سيصلحنا نحن إذا لم نصلح أنفسنا. الإصلاح يجب أن يبدأ من فوق ومن كل موقع. وبلادنا تحتاج إلى إصلاح أخلاقي وإلى إصلاح ديني وإصلاح سياسي، وأن يتحاور السياسيون ولا تضيق قلوبهم. والشاعر العربي يقول:

"لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها..... ولكنّ قلوب الرجال تضيق"، وحتى قلوب بعض النساء أيضا.

لا بدّ من إصلاح السياسة. الآن عدة رؤساء أحزاب لا يكلمون بعضهم وبعضا وكذلك رؤساء لا يكلّمون بعضهم. فكيف سينصلح أمر البلاد. ولذلك يجب أن يبدأ الإصلاح من فوق ومن كل مكان، بالإعلام وبالرؤساء ورؤساء الأحزاب، ومسؤولي السلط. يجب أن يكون هناك حوار يتلوه حوار لحلّ مشاكلنا. لأنّ البديل عن الحوار هو التحارب. والحرب تبدأ بالكلام. ولذلك لا للحرب الكلامية ولا للحرب الإعلامية ولا لشيطنة التونسي للتونسي. ويكفي من شيطنة الإعلام وشيطنة السياسيين وشيطنة رجال الأعمال. نحن نريد لرجال الأعمال أن يشغلوا الناس وليس أن نغلق أعمالهم.

نحن في أزمة اقتصادية، وقد تصل إلى مدى لا يتمناه أحد. ونحن في تاريخنا جاءنا الاستعمار من باب الاقتصاد أي باب التداين. ونحن الآن نغرق في الديون، ننفق أكثر من مدخولنا، سواء على مستوى الفرد أو على مستوى الأسرة وعلى مستوى الدولة.

يجب أن نجدّد من ثقافة العمل لأنّ العمل عبادة في الإسلام. ولا بدّ من خطة لإنقاذ اقتصادنا.

تونس لها مستقبل واتجاه الريح بصدد التغيّر، فسنة 2013 كان اتجاه الريح ضدّ الديمقراطية، أمّا اليوم فاتجاه الريح نحو الديمقراطية. والحركات الشعبوية التي انطلقت مع ترامب، ليس لها مستقبل مع سقوطه، والمستقبل للديمقراطية لأنّها طريق التنمية، ولذلك تونس لها مستقبل إذا عرقنا واجتهدنا وتعاونّا ولم نخبش وجوه بعضنا. وإنشاء الله نلتقي المرة القادمة ولنا محكمة دستورية وقانون انتخابي.

لا نريد ذهاب أحد، نريد أن يبقى الرئيس قائما بدوره في قرطاج والمشيشي قائما بدوره في القصبة، والبرلمان قائما بدوره في باردو. وسيكون المستقبل للديمقراطية التونسية إذا تحلينا بالصبر. فالديمقراطية إذا ترسخت ستنتج ازدهارا سياسيا واقتصاديا واجتماعيا. لا توجد في العالم ديمقراطية فقيرة، والتونسيون على السكة الصحيحة. والعالم لا يزال معجبا بالتجربة التونسية، وعلاقتنا بجوارنا الغربي والأوروبي جيّدة.، وهناك دعم للتجربة التونسية، فهي مدعومة غربيا ومدعومة خليجيا، ومدعومة من العالم كلّه إلاّ من استثنى نفسه وهم قلّة.